المدنيون الأفغان بين القصف الباكستاني وقيود طالبان.. ضحايا أزمة متعددة الأوجه
المدنيون الأفغان بين القصف الباكستاني وقيود طالبان.. ضحايا أزمة متعددة الأوجه
تعيش أفغانستان منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 مرحلة من التقلبات السياسية والأمنية الخطيرة، حيث تتقاطع الديناميات الإقليمية مع إرث طويل من الحروب والتدخلات الخارجية، وفي السنوات الأخيرة تصاعدت المواجهات بين السلطات الباكستانية وحركة طالبان، ما وضع المدنيين في مرمى النزاعات المتبادلة، وجعلهم يدفعون الثمن الأكبر في ظل انهيار الخدمات الأساسية، وانعدام الأمن الغذائي والتشدد في القيود على الحريات والاقتصاد، وغياب ضمانات حقوق الإنسان.
ضحايا الغارات الباكستانية
أدت الضربات الجوية والعمليات العسكرية التي تنفذها القوات الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية إلى سقوط مئات القتلى والجرحى بين المدنيين في أكثر من إقليم.
ففي 21 فبراير 2026، نفذت باكستان غارات جوية على محافظات مثل ننغرهار وبكتيا وبكتیکا، ما أسفر عن مقتل 18 شخصًا في ننغرهار، منهم 15 من أفراد عائلة واحدة، وفق وسائل إعلام محلية وشهود عيان.
ولم تكن هذه الحادثة معزولة، إذ تكررت الغارات على مدن وأرياف متعددة، وأسفرت عن عدد أكبر من الضحايا المدنيين غير الموثقين رسميًا بسبب صعوبة وصول المراقبين الدوليين إلى المناطق المتضررة، وبحسب المرصد الأفغاني لحقوق الإنسان فقد أسفرت العمليات العسكرية بين باكستان وطالبان منذ مطلع 2026 عن مقتل ما يزيد على 240 مدنيًا وإصابة أكثر من 560 آخرين في مختلف المحافظات، مع نزوح الآلاف من منازلهم.
تهجير اللاجئين الأفغان
ولا يزال تهجير اللاجئين الأفغان من باكستان يشكل أزمة إنسانية واسعة الأبعاد، حيث تشير أحدث بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إلى أن عدد اللاجئين الأفغان المسجلين في باكستان قد انخفض بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة بعد حملات الطرد والإعادة القسرية التي شهدتها عدة ولايات باكستانية، ففي نهاية عام 2025، كان هناك نحو 1,341,146 لاجئًا أفغانيًا مسجلاً لدى المفوضية في باكستان، مقارنة بأكثر من 1.7 مليون لاجئ في عام 2022 قبل تصاعد سياسة الإعادة القسرية، وهو تراجع يقارب 21% خلال ثلاث سنوات.
وتشير بيانات المفوضية إلى أن نحو 400 ألف أفغاني عادوا قسرًا إلى أفغانستان منذ بداية 2023 حتى منتصف 2025، في ظل غياب ضمانات قانونية وإجراءات إعادة إدماج مناسبة، ما يعرض العائدين لمخاطر الفقر والبطالة وانعدام الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.
وتُظهر الإحصاءات أيضًا أن نحو 56% من العائدين هم من الأطفال والنساء، وهو ما يعكس ارتفاع مخاطر الوضع الإنساني لهذه الفئات المستضعفة، وقد أكدت المفوضية أن العودة الطوعية الآمنة والكريمة لا تزال بعيدة عن الواقع في ظل انعدام فرص العمل والاستقرار في العديد من مناطق أفغانستان، مما يزيد من احتمال تكرار موجات جديدة من النزوح.
قيود حركة طالبان
في الوقت الذي تتعرض فيه المناطق الحدودية لغارات باكستانية، يُقيّد نظام طالبان الحقوق الأساسية للمدنيين داخل أجزاء واسعة من أفغانستان، ومن أبرز القيود التي فرضتها الحركة منذ توليها السلطة: منع كثير من النساء من العمل والتعليم الجامعي، واقتصار الكثير من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية على الرجال، إضافة إلى فرض ضوابط صارمة على التنقل والتجمع، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1.5 مليون فتاة أفغانية محرومات من العودة إلى التعليم الثانوي والجامعي منذ استيلاء طالبان على السلطة، وهو ما يشكل انتهاكًا واسعًا لحقوق التعليم.
كما أبلغت منظمة العفو الدولية في تقاريرها أن السلطات تفرض قيودًا على حرية التعبير والتجمع السلمي، واعتقلت مئات الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان على خلفية التعبير السلمي عن آرائهم، دون ضمانات لمحاكمات عادلة.
ارتفاع النزوح الداخلي وتدهور الخدمات
تصاعد العنف والقيود معًا أدى إلى أزمة نزوح داخلي حادة في أنحاء البلاد، حيث يقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن أكثر من 3.7 مليون شخص نزحوا داخليًا بسبب النزاعات المسلحة والعمليات العسكرية الحدودية بين باكستان وطالبان منذ 2021 وحتى منتصف 2026، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، ومن هؤلاء، يعيش نحو 2.1 مليون نازح داخليًا في مخيمات مؤقتة تعاني نقصًا شديدًا في الاحتياجات الأساسية.
وبسبب العنف وتقييد حرية العمل لدى فئات واسعة، تواجه ملايين الأسر انعدام الأمن الغذائي، إذ تقدّر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن أكثر من 17 مليون أفغاني، أي ما يقارب 40% من السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد بنهاية عام 2025، مع مخاطر ارتفاع هذه النسبة في 2026 إذا استمرت القيود الأمنية والاقتصادية.
أزمات وقيود
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن النظام الصحي في أفغانستان في حالة تدهور خطير، إذ تضرر كثير من المستشفيات والمرافق الصحية بسبب قلة التمويل وتكرار النزاعات، فضلًا عن هجرة الأطباء ونقص الأدوية والمستلزمات الأساسية، وقد أشارت بيانات الصحة العالمية إلى أن أكثر من 60% من مرافق الرعاية الصحية الأولية تعمل بأقل من طاقتها التشغيلية، بينما انخفضت القدرات العلاجية للحالات الطارئة بنسبة 45% مقارنة بعام 2019 قبل عودة طالبان.
تعرضت النساء في أفغانستان لسلسلة من القيود الأمنية والاجتماعية التي أثرت بشكل مباشر على حرية حياتهن اليومية وفرص مشاركتهن في المجتمع، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 350,000 امرأة غادرن سوق العمل منذ 2021، بينما توقّفت برامج الدعم والتدريب المهني للنساء في كثير من المحافظات، وتوضح منظمات إغاثية أن النساء والأطفال يشكلون نحو 75% من النازحين داخليًا، ويعانون من ضعف الوصول إلى خدمات الصحة والتعليم والمياه الآمنة.
القانون الدولي الإنساني ومسؤولية الحماية
وفق القانون الدولي الإنساني، تلتزم جميع الأطراف بعدم استهداف المدنيين وضمان حماية حقوقهم الأساسية خلال النزاعات المسلحة، وتشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن القصف الجوي والعمليات العسكرية التي تجري في المناطق السكنية في أفغانستان تمثل انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني، خصوصًا إذا أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين.
كما تؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن القيود المفروضة على النساء والفتيات، بما في ذلك حرمانهن من التعليم والعمل، تشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان الأساسية بحسب المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما يزيد من عمق الأزمة الإنسانية في البلاد.
أبعاد الأزمة
امتدت جذور الأزمة الأفغانية الحالية لعدة عقود، إذ شهدت البلاد منذ انقلاب 1978، وتدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وصعود الأحزاب المسلحة، سلسلة من الحروب التي مزّقت النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وقد تركت عشرات السنين من القتال أوضاعًا معقدة، حيث صُنعت جماعات مسلحة في سياق حرب الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي، ثم تحولت إلى قوى فاعلة انقلبت على السلم الأهلي بعد نهاية الحرب، وتظهر دراسات تاريخية أن أكثر من 1.5 مليون أفغاني قتلوا منذ بداية النزاعات في 1978 وحتى اليوم، بينما نزح نحو 10 ملايين شخص داخليًا وخارجيًا عبر العقود الماضية، ما يفسر هشاشة البنى الاجتماعية والاقتصادية الراهنة.
وطالبت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بوقف القصف العشوائي واحترام القانون الدولي الإنساني، وكفالة وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، مع حماية النساء والأطفال والفئات الضعيفة، كما دعت المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى إنهاء القيود التي تعوق مشاركة النساء في الحياة العامة والتعليم والعمل، معتبرة أن احترام هذه الحقوق يشكل ضرورة إنسانية وقانونية في أي مسعى لإحلال السلام والاستقرار.











